الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

305

مختصر الامثل

ومسرحاً لتجاوزاتهم ، وما أشد هذا العذاب ، وما أقسى هذه العاقبة ؟ أجل تلك هي عاقبة النفاق والاختلاف في الدنيا . وأمّا عذاب الآخرة فهو - كما وصفه اللَّه تعالى في القرآن الكريم - أشد وأخزى . يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 106 ) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 107 ) الوجوه المبيضّة والوجوه المسودّة : في تعقيب التحذيرات القوية التي تضمنتها الآيات السابقة بشأن التفرقة والنفاق والعودة إلى عادات الكفر ونعرات الجاهلية ، جاءت الآيتان الحاضرتان تشيران إلى النتائج النهائية لهذا الإرتداد المشؤوم إلى خُلُق الجاهلية وعاداتها ، وتصرّحان بأنّ الكفر والنفاق والتنازع والعودة إلى الجاهلية توجب سواد الوجه ، فيما يوجب الثبات على طريق الإيمان والاتحاد ، والمحبة والتآلف ، بياض الوجوه فتقول : « يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ » . ففي يوم القيامة تجد بعض الناس وجوههم مظلمة سوداء والبعض الآخر وجوههم نقية بيضاء ونورانية : « فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ » . فلماذا اخترتم طريق النفاق والفرقة والجاهلية على الاتحاد في ظل الإسلام ، فذوقوا جزاءكم العادل ، وأمّا المؤمنون فغارقون في رحمة اللَّه : « وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ » . إنّ هاتين الآيتين تصرّحان بأنّ المنافقين والمتفرقين بعد ما جاءتهم البينات هم المسودة وجوههم الذائقون للعذاب الأليم بسبب كفرهم ، وأمّا المؤمنون المتآلفون المتحابون المتحدون فهم في رحمة اللَّه ورضوانه مبيضة وجوههم . تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ ( 108 ) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 109 ) هذه الآية إشارة إلى ما تعرضت الآيات السابقة له حول الإيمان والكفر والاتحاد والاختلاف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وآثارها وعواقبها ، إذ تقول : « تِلْكَ ءَايَاتُ